هربوا من الحوثيين إلى عدن.. فوجدوا نقاط التفتيش والمصادرة والإهانات في انتظارهم
لم تنتهِ معاناة مئات الأسر النازحة من مديريات الساحل الغربي بمحافظتي تعز والحديدة عند فرارها من مناطق القتال، فبحسب إفادات مصادر محلية وشهادات متداولة من المنطقة، واجه عدد من النازحين، أثناء توجههم إلى عدن ومحافظة لحج، إجراءات مشددة عند نقاط أمنية وعسكرية، شملت الاحتجاز والتفتيش ومصادرة ممتلكات وأسلحة، فيما تحدثت إفادات أخرى عن تعرض بعض الأسر للإهانات والمعاملة القاسية.
وتأتي هذه الإفادات عقب التطورات العسكرية الأخيرة في الساحل الغربي، وسيطرة ميليشيات الحوثي على عدد من المديريات، وما رافق ذلك من انسحاب قوات وتشكيلات عسكرية من مواقعها، ودفع ذلك بأسر مدنية إلى مغادرة مناطقها بحثًا عن أماكن أكثر أمنًا، كان من بينها لحج وعدن.
وبحسب تقرير ميداني أُعد في مديرية البريقة بمحافظة عدن، مساء الخميس 10 سبتمبر، بدأت منذ مساء الأربعاء مشاهدة قوات تنسحب من الساحل الغربي وتعود باتجاه عدن، وكان من بينها قوات تابعة للعمالقة ودرع الوطن، قبل أن تتدفق أعداد أكبر من القوات والتشكيلات المختلفة عقب انتشار أخبار الانسحاب.
وأفادت المعلومات المحلية بأن السماح لبعض هذه القوات بالدخول تغير مع ساعات الفجر، إذ بدأت نقاط أمنية بمنع عدد من الأطقم والقوات من المرور إلا بعد تسليم أسلحتها وعتادها، مع استثناء قوات العمالقة ودرع الوطن، وفق الإفادات نفسها.
وتحدث التقرير عن وقوع اشتباك عند نقطة المصافي بين طقم تابع لقوات طارق صالح والنقطة الأمنية، قال إن أحد أفرادها أصيب ونُقل في حالة غيبوبة، فيما فر الطقم قبل أن يتم توقيفه لاحقًا عند نقطة الفارسي بعد جسر البريقة.
لكن الإجراءات، وفق المصادر المحلية، لم تقتصر على العسكريين؛ إذ أفادت المعلومات باحتجاز أسر نازحة وتفتيشها، بما في ذلك تفتيش النساء والأطفال، وقالت إن بعض النساء تعرضن للتفتيش على يد مجندات، وسط حديث عن إهانات وعبارات مسيئة تعرض لها النازحون وأزواجهم من بعض الجنود في النقاط.
وتشير الإفادات إلى أن ما يقارب عشرين طقمًا جرى احتجازها، بعد نزع أسلحتها، إلى جانب كميات من الأسلحة والذخائر، ونقلها إلى مقر الأمن الوطني في البريقة، فيما تحدثت المصادر عن إجراءات مماثلة في نقاط أخرى داخل المديرية.
ومن بين النقاط التي وردت في الإفادات نقطة فندق القصر ونقطة الحرم الجامعي، إضافة إلى نقاط تقع خارج البريقة وتتبع ما يُعرف بطوق عدن، بينها نقاط مثلث مشهور، ومثلث مصنع الحديد، ومثلث الوهط، ونقطة الطاقة الشمسية.
وبحسب المصادر ذاتها، تعرض بعض الأفراد لمصادرة أسلحتهم وعتادهم، خصوصًا من عناصر طوارق من أبناء عدن وأفراد المقاومة التهامية والزرانيق، في إطار إجراءات قالت المصادر إنها اتخذت بحق القوات القادمة من الساحل.
وفي رواية أخرى، تحدثت إفادات محلية عن انتشار مجموعات تابعة للمجلس الانتقالي فوق أطقم عسكرية في عدد من المناطق، مهمتها البحث عن الأسلحة ومصادرتها، إضافة إلى رصد تحركات النازحين والقادمين من مناطق الساحل.
كما أفادت المعلومات بوضع نقطة مقابل فتحة بئر أحمد، قالت المصادر إنها كانت بقيادة عبد الناصر البعوة المعروف بـ«أبو همام»، حيث جرى، وفق هذه الإفادات، توقيف أطقم وأسلحة حتى في الحالات التي كانت تمر بتنسيق عملياتي مسبق.
وتحدثت المصادر كذلك عن وجود مجموعات إلى جوار نقاط الأمن الوطني في البريقة لرصد السيارات والشخصيات التي تمر عبرها، قبل التواصل مع مجموعات أخرى لتنفيذ عمليات توقيف أو احتجاز في مدينة الشعب أمام فتحة بئر أحمد.
وفي الجانب الإنساني، تبدو الأسر النازحة الأكثر هشاشة في هذه الرحلة؛ فهي، وفق ما نقلته مصادر محلية، غادرت مناطقها تحت ضغط الخوف والقتال، ثم وجدت نفسها أمام إجراءات أمنية لا تعرف مسبقًا طبيعتها أو إلى أين ستقودها. بعض هذه الأسر، بحسب الإفادات، لم تكن تملك سوى ما حملته معها أثناء الفرار، فيما واجه بعضها صعوبة في تأمين مكان للإقامة.
وتعزز هذه الرواية ما ورد في منشور متداول للكاتب والإعلامي كامل الخوداني، رئيس المكتب السياسي للمقاومة الوطنية بمحافظة إب، دعا فيه قيادة الدولة والتحالف والسلطة المحلية في عدن إلى مراجعة طريقة التعامل مع النازحين من مناطق الساحل.
وأشار الخوداني في منشوره إلى شكاوى تتعلق بإهانة النساء والأطفال، ونهب ممتلكات، وانتهاك حرمات، ومنع بعض النازحين من استئجار غرف في الفنادق، فضلًا عن إنزال عائلات من السيارات والباصات، وتفتيشها، ومصادرة ما بحوزتها، معتبرًا أن مثل هذه الممارسات لا تمثل أخلاق اليمنيين.
وتكتسب قضية النازحين أهمية أكبر في ظل أن بعض الأسر التي تصل اليوم إلى عدن ولحج سبق أن عاشت تجربة النزوح لسنوات، ولم تتمكن من العودة إلى مناطقها، فيما وجدت نفسها أمام نزوح جديد نتيجة التطورات العسكرية الأخيرة.
ولا تتوقف المشكلة عند توفير الغذاء والمأوى؛ فالنازح الذي يهرب من منطقة حرب يحتاج، قبل كل شيء، إلى الشعور بالأمان وعدم معاملته باعتباره طرفًا في الصراع. ولذلك فإن أي إجراءات أمنية بحق القادمين من مناطق القتال يفترض، وفق المعايير الإنسانية، أن تميز بين المقاتلين والمدنيين، وألا تتحول نقاط التفتيش إلى محطة جديدة لمعاقبة أسر لا علاقة لها بالمعارك.
وفي ظل استمرار حركة النزوح من الساحل الغربي، تبرز الحاجة إلى تدخل حكومي عاجل لتنظيم استقبال الأسر النازحة وتأمين أماكن إيواء لها، وضمان سلامتها وكرامتها، بدل تركها تواجه مصيرها عند نقاط التفتيش أو في الشوارع ومداخل المدن، فالذين خرجوا من مناطقهم لم يختاروا الحرب، وكثير منهم ترك منزله وممتلكاته بحثًا عن مكان آمن. وما يحتاجه هؤلاء الآن ليس سوى مساحة آمنة تحفظ حياتهم وكرامتهم، إلى أن يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم عندما تتوقف الحرب ويعود الأمن.